عبد الله بن أحمد النسفي

335

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) من بعد مواضعه أنّه كانت له مواضع هو جدير بأن يكون فيها ، فحين حرّفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه ، والمعنيان متقاربان وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك ، قيل أسرّوا به وَاسْمَعْ قولنا غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع ، وهو قول ذو وجهين يحتمل الذمّ أي اسمع منّا مدعوّا عليك بلا سمعت ، لأنّه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئا فكان أصمّ غير مسمع ، قالوا ذلك اتكالا على أنّ قولهم لا سمعت دعوة مستجابة ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنّك لم تسمع شيئا ، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه فسمعك عنه ناب . ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروها ، من قولك أسمع فلان فلانا إذا سبّه ، وكذلك قوله : وَراعِنا يحتمل راعنا نكلمك ، أي ارقبنا وانتظرنا ، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا ، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ فتلا بها وتحريفا ، أي يفتلون بألسنتهم الحقّ إلى الباطل حيث يضعون راعنا موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروها ، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا وَطَعْناً فِي الدِّينِ هو قولهم : لو كان نبيا حقا لأخبر بما نعتقد فيه وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ولم يقولوا وعصينا وَاسْمَعْ ولم يلحقوا به غير مسمع وَانْظُرْنا مكان راعنا لَكانَ قولهم ذاك خَيْراً لَهُمْ عند اللّه وَأَقْوَمَ وأعدل وأسدّ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم قد آمنوا كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، أو إلا إيمانا قليلا ضعيفا لا يعبأ به ، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره . ولما لم يؤمنوا نزل : 47 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني التوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها ، والفاء للتسبيب ، وإن جعلتها للتعقيب على أنّهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر - ردها على أدبارها بعد طمسها - فالمعنى أن نطمس وجوها فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام ، وقيل المراد بالطمس القلب والتغيير كما